الشيخ محمد هادي معرفة

237

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قلت : أمّا نزولها ردّا على تلك المزعومة الباطلة فنعم ، وأمّا أنّها نزلت بالمدينة فلا ! وذلك لأنّ العرب - كما سبق مرارا - كانوا على اتصال دائم بأهل الكتاب ، وربّما كانوا يأخذون منهم تعاليم أو معارف ممّا يخصّ خلق السماوات والأرض ، فكانت مشهورة بين العرب المشركين ، فهذا الردّ - لوصحّ أنّه ردّ - لايدلّ على أنّه نزل بالمدينة ! فلعلّ الرواية القائلة بأنّها نزلت في اليهود ، إنّما تعني ما ذكرنا ، أي نزلت في تعاليم كانوا بثّوها بين العرب . والشاهد على أنّ الآية مكّية : ما جاء تفريعا عليها : « فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ . . . » التي هي من آيات الصفح المكّية ، والتي نسخت فيما بعد . 33 - سورة النجم : مكّية استنثي منها قوله : « . . . هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى » . « 1 » أخرج الواحدي عن ثابت بن الحرث الأنصاري ، قال : كانت اليهود تقول - إذا هلك لهم صبيّ صغير - : صدّيق . فبلغ ذلك رسول‌اللّه صلى الله عليه وآله فقال : كذبوا ، ما من نسمة يخلقها اللّه في بطن امّه إِلّا انّه شقيّ أو سعيد ، فأنزل اللّه عند ذلك : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ . . . » . « 2 » قلت : لو صحّت الرواية فلا دلالة فيها على نزول الآية بالمدينة ، فلعلّ قولة اليهود - وهم يبثّون تعاليمهم الفاسدة بين العرب - بلغت الرسول صلى الله عليه وآله وهو بمكة ، فنزلت الآية بها ! لكن الرواية المذكورة لامساس لها بفحوى الآية رأسا ، لأنّ قوله : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ . . . » تعليل لقوله : « واسِعُ الْمَغْفِرَةِ » . يعني : إنّ هذا الإنسان مفطور على اقتراف مطاليب أرضيّة سافلة وفقا لفطرته البشريّة المتركّبة من نزعات ورغبات ، واللّه أعلم بذلك ، ومن ثمّ عهد على نفسه الغفران ، رحمة بهذا الإنسان ورأفة بموقفه الخاصّ تجاه رغباته ونزعاته .

--> ( 1 ) - النجم 32 : 53 . ( 2 ) - لباب النقول ، ج 2 ، ص 88 - 89 ؛ والدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 128 .